فخر الدين الرازي
81
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
قوله تعالى : بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ قدم المصدر على الفعل حيث قال : بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ وقدم الفعل على المصدر في قوله : أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ [ الأنفال : 62 ] وذلك لأن المقصود هاهنا بيان أن النصرة بيد اللّه إن أراد نصر وإن لم يرد لا ينصر ، وليس المقصود النصرة ووقوعها والمقصود هناك إظهار النعمة عليه بأنه نصره ، فالمقصود هناك الفعل ووقوعه فقدم هناك الفعل ، ثم بين أن ذلك الفعل مصدره عند اللّه ، والمقصود هاهنا كون المصدر عند اللّه إن أراد فعل فقدم المصدر . ثم قال تعالى : وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ذكر من أسمائه هذين الاسمين لأنه إن لم ينصر المحب بل سلط العدو عليه فذلك لعزته وعدم افتقاره ، وإن نصر المحب فذلك لرحمته عليه ، أو نقول إن نصر اللّه المحب فلعزته واستغنائه عن العدو ورحمته على المحب ، وإن لم ينصر المحب فلعزته واستغنائه عن المحب ورحمته في الآخرة واصلة إليه . ثم قال تعالى : وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ يعني سيغلبون وعدهم اللّه وعدا ووعد اللّه لا خلف فيه ، قوله تعالى : وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ أي لا يعلمون وعده وأنه لا خلف في وعده . ثم قال تعالى : يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا يعني علمهم منحصر في الدنيا وأيضا لا يعلمون الدنيا كما هي وإنما يعلمون ظاهرها وهي ملاذها وملاعبها ، ولا يعلمون باطنها وهي مضارها ومتاعبها ويعلمون وجودها الظاهر ، ولا يعلمون فناءها وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ والمعنى هم عن الآخرة غافلون ، وذكرت هم الثانية لتفيد أن الغفلة منهم وإلا فأسباب التذكر حاصلة وهذا كما يقول القائل لغيره غفلت عن أمري ، فإذا قال هو شغلني فلان فيقول ما شغلك ولكن أنت اشتغلت . ثم قال تعالى : [ سورة الروم ( 30 ) : آية 8 ] أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ ( 8 ) قوله تعالى : أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ لما صدر من الكفار الإنكار باللّه عند إنكار وعد اللّه وعدم الخلف فيه كما قال تعالى : وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [ الأعراف : 187 ] والإنكار بالحشر كما قال تعالى : وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ [ الروم : 7 ] بين أن الغفلة وعدم العلم منهم بتقدير اللّه وإلا فأسباب التذكر حاصلة وهو [ أن ] أنفسهم لو تفكروا فيها لعلموا وحدانية اللّه وصدقوا بالحشر ، أما الوحدانية فلأن اللّه خلقهم على أحسن تقويم ، ولنذكر من حسن خلقهم جزأ من ألف ألف جزء وهو أن اللّه تعالى خلق للإنسان معدة فيها ينهضم غذاؤه لتقوى به أعضاؤه ولها منفذان أحدهما لدخول الطعام فيه ، والآخر لخروج الطعام منه ، فإذا دخل الطعام فيها انطبق المنفذ الآخر بعضه على بعض بحيث لا يخرج منه ذرة ولا بالرشح ، وتمسكه الماسكة إلى أن ينضج نضجا صالحا ، ثم يخرج من المنفذ الآخر ، وخلق تحت المعدة عروقا دقاقا صلابا كالمصفاة التي يصفى بها الشيء فينزل منها الصافي إلى الكبد وينصب الثفل إلى معي مخلوق تحت المعدة مستقيم متوجها إلى الخروج ، وما يدخل في الكبد من العروق المذكورة يسمى الماساريقا بالعبرية ، والعبرية عربية مفسودة في الأكثر ، يقال لموسى ميشا وللإله إيل إلى غير ذلك ، فالماساريقا معناها ماساريق اشتمل عليه الكبد وأنضجه